عين في السماء: كيف يمكن استخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية لكشف أسرار انبعاثات غاز الميثان على الأرض؟
مقدمة معلومات أساسية
الميثان (CH4) غاز مشعّ ونشط كيميائيًا في الغلاف الجوي، يؤثر ليس فقط على التوازن الإشعاعي لنظام الأرض والغلاف الجوي، بل يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في العمليات الكيميائية في الغلاف الجوي والستراتوسفير. وباعتباره ثاني أكبر غاز دفيئة بعد ثاني أكسيد الكربون، فإن متوسط تركيز الميثان السنوي يزيد عن 2.5 ضعف مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويبلغ تأثيره على الاحتباس الحراري (قدرته على حبس الحرارة في الغلاف الجوي للأرض) حوالي 30 ضعفًا لثاني أكسيد الكربون على مدى قرن من الزمان، وحوالي 84 ضعفًا على مدى 20 عامًا. يتميز الميثان بعمر قصير نسبيًا في الغلاف الجوي (حوالي 12 عامًا)، بينما قد تستمر آثار ثاني أكسيد الكربون لقرون. وبالمقارنة مع ثاني أكسيد الكربون المستقر كيميائيًا، فإن التحكم في انبعاثات الميثان له تأثير فوري على تحقيق الحياد الكربوني والتخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري.
لطالما واجه رصد انبعاثات غاز الميثان تحديات هائلة، فهو غاز عديم اللون والرائحة، ومصادر انبعاثه متفرقة ومخفية. ورغم دقة أساليب الرصد الأرضية التقليدية، كقياسات المصادر النقطية وأخذ عينات من الغلاف الجوي، إلا أنها محدودة التغطية ويصعب تطبيقها على نطاق عالمي. في هذا السياق، أصبحت تقنية الاستشعار عن بُعد عبر الأقمار الصناعية، بما تتميز به من رصد شامل وموضوعي ومستمر، أداة ثورية لرصد انبعاثات الميثان عالميًا. فمن منظور فضائي، ولأول مرة، بات بإمكان البشرية "رؤية" وقياس الانبعاثات التي كانت تُعتبر "غير مرئية" بدقة ونطاق غير مسبوقين.
تحليل تكنولوجيا الكشف
يعتمد الكشف عن غاز الميثان عبر الأقمار الصناعية بشكل أساسي على التقاط "البصمة الطيفية" الفريدة لتفاعل جزيء هذا الغاز مع الضوء. وتستند جميع التقنيات إلى مبدأ أساسي: تمتص جزيئات الميثان بشكل انتقائي الأشعة تحت الحمراء ذات أطوال موجية محددة، وتُظهر خصائص امتصاص قوية بشكل رئيسي في نطاقات 1.65 ميكرومتر، و2.3 ميكرومتر، و3.3 ميكرومتر، و8 ميكرومتر. وبحسب طريقة الكشف، يمكن تقسيمها إلى فئتين رئيسيتين: الاستشعار عن بُعد السلبي والاستشعار عن بُعد النشط.
(1) تقنية الاستشعار عن بعد السلبية
تُعدّ "العدسة واسعة الزاوية" للمسح العالمي و"المجهر" لتحديد مواقع التسريبات من أكثر الأساليب التكنولوجية استخدامًا اليوم. لا تُصدر الأقمار الصناعية الطاقة بنفسها، بل تعمل كأجهزة قياس طيفية متطورة. تقيس مستشعرات الأقمار الصناعية إشارة إشعاع ضوء الشمس بعد مروره عبر الغلاف الجوي، وانعكاسه عن سطح الأرض، ثم مروره عبر الغلاف الجوي مرة أخرى. ومن خلال تحليل توهين الإشعاع في نطاقات الامتصاص المميزة للميثان، ودمج ذلك مع خوارزميات عكسية متقدمة، يتم حساب تركيز عمود الميثان في الغلاف الجوي بأكمله. ومن الأمثلة على ذلك مستشعر GMI على القمر الصناعي الصيني GF5، ومستشعر TROPOMI على القمر الصناعي Sentinel-5P التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، ومستشعر TANSO-FTS على القمر الصناعي الياباني GOSAT، ومستشعر WAF-P Imaging على القمر الصناعي الكندي GHGSat، وغيرها.

الشكل 1. مبدأ عمل مستشعر الأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة
كانت تقنية الاستشعار عن بعد السلبية المبكرة تتمتع بمزايا التكلفة المنخفضة نسبيًا وعدم الحاجة إلى إرسال الإشارات بشكل فعال، ولكنها كانت تعاني أيضًا من بعض القيود، مثل تأثرها الشديد بغطاء السحب، ومحدودية الحصول على البيانات بسبب الظروف الجوية، وانخفاض الدقة الطيفية والمكانية نسبيًا، مما يجعل من الصعب تحقيق مراقبة دقيقة لمصادر الانبعاثات الصغيرة.
(2) تقنية الاستشعار عن بعد النشطة
للتغلب على قيود تقنية الاستشعار عن بُعد السلبية، ظهرت تقنية الاستشعار عن بُعد النشطة. تكشف هذه التقنية عن غاز الميثان عن طريق بث موجات كهرومغناطيسية واستقبال الإشارات المنعكسة. على سبيل المثال، يستخدم قمر ميرلين الصناعي (المتوقع إطلاقه عام ٢٠٢٧) تقنية الليدار لرصد التوزيع الرأسي للميثان. توفر هذه التقنية معلومات دقيقة للغاية عن تركيز الميثان، خاصة في ظل الظروف الجوية المعقدة، كما تتميز بقدرة اختراق ومقاومة تداخل أقوى.

الشكل 2. مبدأ قياس الليدار النشط
تتميز تقنية الاستشعار عن بُعد النشطة بمزايا عديدة، منها الدقة العالية والوضوح المكاني والزماني، مما يُمكّن من رصد غاز الميثان على مدار الساعة وفي جميع الأحوال الجوية، دون التأثر بالغيوم أو الظروف الجوية. مع ذلك، فإن تكلفتها مرتفعة نسبيًا وتغطيتها محدودة نسبيًا. لذا، في التطبيقات العملية، تُستخدم غالبًا بالتزامن مع تقنية الاستشعار عن بُعد السلبية للاستفادة من مزايا كل منهما.
تم الكشف عن طريقة الانعكاس
تقتصر البيانات الأولية التي تجمعها الأقمار الصناعية على قيم الإشعاع فقط. ولتحويل هذه البيانات إلى معلومات قابلة للاستخدام حول تركيز غاز الميثان، يلزم إجراء عملية عكسية معقدة. وتُعد خوارزمية العكس بمثابة "العقل المدبر" لرصد غاز الميثان عبر الأقمار الصناعية، إذ تحدد دقة وموثوقية البيانات النهائية.
(1) طريقة الانعكاس الفيزيائي
يُعدّ الانعكاس الفيزيائي أسلوبًا علميًا شائعًا لتقدير تركيز غاز الميثان، وذلك بحلّ نموذج مباشر قائم على نظرية انتقال الإشعاع. وباستخدام نموذج انتقال الإشعاع الجوي، يُحاكي هذا الأسلوب العلاقة بين إشارة الإشعاع التي يستقبلها القمر الصناعي ومعايير مثل تركيز غاز الميثان في الغلاف الجوي، ودرجة الحرارة، والضغط، وانعكاسية السطح. ثم تُستخدم خوارزمية تقدير مثلى لإيجاد مجموعة من المعايير التي تُقلّل الفرق بين الإشارة المُحاكاة والإشارة المرصودة فعليًا. ومن أهم الخوارزميات المستخدمة: مطيافية الامتصاص التفاضلي (DOAS)، والانعكاس التقريبي، وخوارزمية دالة كثافة احتمال طول مسار الفوتون (PPDF)، والخوارزمية الفيزيائية الوظيفية (FP).
تكمن مزاياها الأساسية في أساسها النظري المتين ودقة نتائجها. تتبع هذه الطريقة بدقة القوانين الفيزيائية لانتقال الإشعاع في الغلاف الجوي، وتتميز عملية الانعكاس بدلالة فيزيائية واضحة وإمكانية تتبعها. تكمن قيمتها الجوهرية في توفير بيانات مرجعية علمية موثوقة وتحديد عدم اليقين في النتائج بدقة، مما يجعلها تحتل مكانة لا غنى عنها في البحوث الأساسية التي تتطلب دقة عالية وصرامة علمية.
(2) طريقة الانعكاس الإحصائي
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز أساليب الاستدلال الإحصائي بسرعة، لا سيما عند معالجة بيانات الأقمار الصناعية واسعة النطاق. وباستخدام بيانات رصد تاريخية شاملة ومعلومات تركيز الميثان الحقيقية المقابلة، يتم تدريب نماذج التعلم الآلي لتعلم العلاقة الإحصائية بين إشارات الإشعاع وتركيزات الميثان. ثم تُطبَّق هذه النماذج المدربة لاستخلاص نتائج سريعة من بيانات الرصد الجديدة. وتشمل هذه الأساليب بشكل رئيسي: أساليب الشبكات العصبية، وانحدار الغابات العشوائية، وأساليب التعلم الجماعي.
تكمن ميزتها الأساسية في قدراتها الفائقة على معالجة البيانات وكفاءتها العالية. إذ تستطيع هذه الطريقة استخلاص العلاقات غير الخطية المعقدة مباشرةً من كميات هائلة من البيانات التاريخية، ما يُتيح استخلاص النتائج بسرعة فائقة، تكاد تكون فورية. كما تتميز بمتانتها في مواجهة بعض عوامل التشويش والتداخل في عمليات الرصد، ما يجعلها مناسبةً بشكل خاص للتعامل مع عمليات الرصد التشغيلي العالمية واسعة النطاق وعالية التردد، وبالتالي تحسين كفاءة تطبيق البيانات في المنتج بشكل كبير.
(3) طريقة الانعكاس الهجينة
تُعدّ طرق الانعكاس الهجينة حلاً متطوراً للاستشعار الكمي عن بُعد لغاز الميثان باستخدام الأقمار الصناعية. ويكمن مبدأها الأساسي في دمج مزايا النماذج الفيزيائية والأساليب القائمة على البيانات. تستخدم هذه الطريقة أولاً نموذجاً فيزيائياً لنقل الإشعاع لإنشاء "مجموعة بيانات تدريبية" دقيقة وعالية الجودة. وبناءً على هذه المجموعة، يتم تدريب نموذج فعّال للتعلم الآلي (مثل شبكة التعلم العميق) لتعلم العلاقة المعقدة بين الإشارة الطيفية الخام للأقمار الصناعية وتركيز غاز الميثان.
تكمن ميزتها الأساسية في تحقيق توازن مثالي بين الدقة والكفاءة. يدمج هذا الأسلوب الدقة النظرية للنماذج الفيزيائية مع الكفاءة العالية والمرونة التي توفرها تقنيات التعلم الآلي. تتيح هذه الميزة التكميلية الحفاظ على أساس فيزيائي متين مع تلبية احتياجات التطبيقات واسعة النطاق وشبه الآنية، مما يمثل أحدث توجهات التطوير في مجال الاستشعار الكمي عن بُعد.

الجدول 1. مؤشرات أداء قمر صناعي محمول على الفضاء للكشف عن غاز الميثان
خاتمة
أحدثت تقنية الاستشعار عن بُعد ثورةً هائلةً في إدارة المناخ، إذ ساهمت منظومةٌ فضائيةٌ متعددة الطبقات وخوارزمياتٌ متطورةٌ في تشكيل نظامٍ مغلقٍ غير مسبوقٍ قائمٍ على "الرصد والتحقق والتنفيذ"، محولةً انبعاثات غاز الميثان، التي كانت سابقًا غير مرئيةٍ ومتفرقةً وغالبًا ما يتم التقليل من شأنها، إلى بياناتٍ واضحةٍ وقابلةٍ للقياس والتتبع. لا يُعزز هذا النظام الموثوقية العلمية لقوائم جرد الانبعاثات العالمية فحسب، بل يُوفر أيضًا لصناع السياسات أداةً فعّالةً للتنظيم الدقيق، وللشركات إرشاداتٍ عمليةً لتنفيذ خفض الانبعاثات، وللجمهور نافذةً شفافةً لممارسة حقه في الرقابة. تدفعنا التكنولوجيا إلى تجاوز الحدود الوطنية والخلافات، ومواجهة مصادر الانبعاثات مباشرةً، وتحويل الالتزامات المناخية الدولية من مجرد تصريحاتٍ سياسيةٍ ضخمةٍ إلى مشاكل هندسيةٍ ملموسةٍ وقابلةٍ للحل. تُشير ثورة الشفافية هذه، التي بدأت بالاستشعار عن بُعد، في نهاية المطاف إلى مستقبلٍ أكثر قابليةً للتحقق ومسؤوليةً لكوكبنا.
مراجع
[1] كاي شياولي، باو يونفي، هوانغ تشياولين. مراجعة لتقنية الكشف عن غاز الميثان في الغلاف الجوي وتقنية عكسه باستخدام الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية [J]. العودة الفضائية والاستشعار عن بعد، 2025، 46(01):160-173.
[2] تشن جيداي، زو تشينوين، صن ماوشنغ، وآخرون. التقدم البحثي في الكشف عن غاز الميثان عن طريق الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية [J]. معلومات الاستشعار عن بعد، 2024، 39(02):1-11.
[3] هي تشو، لي تشنغ تشيانغ، فان تشنغ، وآخرون. مراجعة للأبحاث المتعلقة بأجهزة الاستشعار الفضائية وخوارزميات الاستشعار عن بعد لغاز الميثان في الغلاف الجوي [J]. مجلة البصريات الصينية، 2023، 43(18):55-71.
[4] تشين كاي، هي تشين، كانغ هانشو، وآخرون. التقدم البحثي وآفاق الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية لانبعاثات الميثان في صناعة الفحم [J]. اكتا أوبتيكا سينيكا، 2023، 43(18):118-130.
[5] ياو لو، يانغ دونغشو، تساي تشاونان، وآخرون. تحليل الوضع الراهن واتجاهات تطوير أقمار رصد غاز الميثان في الغلاف الجوي لتحقيق الحياد الكربوني وذروة انبعاثات الكربون في بلدي [J]. علوم الغلاف الجوي، 2022، 46(06):1469-1483.

